عرض إلهي شامل لكل النعم التي تحيط بنا، هدفها أن نتحول من الغفلة إلى الشكر والتوحيد، هي سورة تدعونا لفتح أعيننا على جمال وروعة التدبير الإلهي.
دعونا نتحدث عن سورة النحل، التي يمكن أن نطلق عليها ببساطة
"سورة الوفرة والامتنان".
المحور الأول: قائمة النعم اللانهائية (شواهد النعمة والمنة) 🎁
تبدأ السورة بـ "جرد" لنعم الله علينا، وهي نِعم لا تُحصى، تُقدم كأدلة عقلية على وحدانية الخالق.
لو تأملنا هذه النعم بصدق، لعرفنا أن الشرك هو أقصى درجات كفران الجميل.
* نِعم الحيوانات والبحر: انظروا كيف سُخّرت لنا الأنعام للدفء والطعام، والبحر لاستخراج اللحم والحلي:
* ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (النحل: 5)
* ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (النحل: 14)
* نعم الكون والرزق: وتسخير الشمس والقمر والنجوم لخدمتنا، وإنزال الماء لإحياء الزرع والزيتون والنخيل:
* ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (النحل: 12)
المحور الثاني: النحل وأسرار النجاح (منهج الوحي والبركة) 🐝
سُميت السورة بالنحل لسبب عميق.
النحلة كائن صغير، لكنها منظمة جدًا وتعمل بتوجيه إلهي (وحي) لتنتج الشفاء (العسل).
هذا الكائن الصغير يرمز لـ:
* طاعة الوحي: النحل يسلك سُبل ربه بتوجيه مباشر، وهذا يذكرنا بأن النجاح والبركة لا يأتيان إلا بطاعة الوحي الإلهي (القرآن والسنة):
﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾ (النحل: 68-69).
* البركة في الناتج: العمل القائم على الوحي يكون مباركًا ومصدر شفاء، حتى لو كان صغيرًا.
فلتكن أيها المسلم كالنحل في طاعتك وفي عملك الدؤوب في السعي والنقاء في التواجد مع الصحبة الصالحة ..
المحور الثالث: عاقبة الجحود (الحذر من كفران النعم) ⚠️
بعد كل هذا العرض للنعم، تختم السورة بتحذير شديد من كفران هذه النعم، وتضرب لنا مثلاً حاسمًا لمصير المجتمعات التي تفرط في الشكر.
* مثَل القرية الكافرة: هذا المثل يضعنا أمام مسؤوليتنا تجاه النعم التي نعيش فيها، ويؤكد أن الأمن والرزق زائلان بالجحود:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112).
* قدوة الشاكرين: تُختم السورة بالثناء على إبراهيم عليه السلام كنموذج للمسلم الذي جمع بين التوحيد الخالص والشكر الدائم: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 121).
سبب التسمية والترتيب
لماذا سُميت سورة النحل؟
سُميت السورة باسم النحل لأنها أفردت جزءًا خاصًا لوصف هذا الكائن المعجز، وكيف أن الله أوحى إليه بالعمل المنظَّم لإنتاج العسل (الشفاء).
هذا يربط بين الوحي الإلهي (الذي أنزل القرآن) وبين نتائجه المباركة (كالشفاء والبركة)، ويجعل من النحل نموذجًا حقيقيًا لطاعة أوامر الله والانتفاع بها.
لماذا جاءت سورة النحل بعد سورة الحجر؟
الترتيب بين السورتين يكشف تسلسلاً منطقيًا في بناء الإيمان:
* سورة الحجر: كانت سورة الضمانة والحفظ. أكدت لنا أن هذا القرآن محفوظ بحفظ الله، وأن الحق ثابت، وأن الاستهزاء زائل.
* سورة النحل: جاءت بعد تثبيت اليقين، لتُبيّن لنا ثمار هذا الإيمان المحفوظ. فبما أننا آمنا بالحق، يجب علينا أن نرى نعم الله التي تحيط بنا وأن نكون شاكرين موحدين، وهذا هو ثمرة الإيمان واليقين.
إذًا، الحجر أمنت لنا المصدر (القرآن)، والنحل كشفت لنا الثمار (النعم والشكر).....
لاتدع الخير يقف عندك وشاركه مع الآخرين ...
للتعرف على محاور السورة التالية...👇
https://ammyatahadathalquran.blogspot.com/2025/11/blog-post.html
المصادر:
* السنة النبوية الشريفة (أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم)
* كتب التفسير وعلوم القرآن (مثل تفسير ابن كثير، وتفسير القرطبي، ومدارج السالكين)
* أقوال الصحابة والتابعين
*كتاب خواطر قرآنية لعمر خالد

تعليقات
إرسال تعليق