خاتمة العهد بين السماء والأرض عندما نقرأ سورة المائدة، نشعر أنها بمثابة خاتمة عظيمة لكل ما سبق من تشريعات
إنها ليست مجرد سورة، بل هي "إعلان الختام" في رحلة الوحي.
نرى فيها لمسة أخيرة من الكمال الإلهي، وكأن الله يقول: "هذا هو الطريق الكامل، وهذا هو العهد الأخير، فاستمسكوا به".
السورة التي بدأت بـ "أوفوا"
تفتح السورة بآية عظيمة تخاطب كل مؤمن وتضع أساسها: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" (المائدة: 1).
بالنسبة لنا، هذه الآية ليست مجرد أمر بالوفاء بالعهود المالية، بل هي دعوة شاملة للوفاء بجميع العهود.
العهد مع الله بالتوحيد والإخلاص، والعهد مع النفس بالاستقامة، والعهد مع الناس بالصدق والأمانة.
هذا الشعور بالالتزام الشامل يملأ قلوبنا بالمسؤولية.
وفي وسط السورة، نجد الآية التي تُعد تاجاً على رأسها: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" (المائدة: 3).
كلما قرأنا هذه الآية، نشعر بفرحة عظيمة. إنها تخبرنا أن رحلة التشريع قد انتهت، وأن الإسلام الذي نعيش به هو الدين الكامل الذي لا يحتاج إلى إضافة، وهو نعمة عظيمة يجب أن نقدرها.
القصص: مرآة للقلوب والأخلاق
تحتوي السورة على قصص عميقة ليست مجرد حكايات، بل هي دروس مباشرة لنا.
* قصة ابني آدم: تُعرض قصة قابيل وهابيل لتُحذّر من آفة الحسد والكِبر.
إن رد هابيل عندما هم أخوه بقتله، يمثل قمة الإخلاص والتقوى: "لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ" (المائدة: 28).
هذه الآية تُعلمنا أن الخوف من الله هو الذي يمنعنا من الإقدام على الشر، حتى لو كنا قادرين عليه.
* قصة المائدة: عندما يطلب الحواريون من عيسى عليه السلام أن يدعو الله لإنزال مائدة، نشعر أن هذا الطلب يعكس ضعف الإنسان أمام الماديات.
إن القصة تذكرنا أن المعجزات هي آية من الله، لكن الإيمان الحقيقي يكمن في الاعتماد على الله دون اشتراط معجزات مادية.
العدل المطلق والعهد مع أهل الكتاب
نجد في السورة تركيزاً مذهلاً على العدل، حتى مع من لا نحب. ففي آية جامعة، يخبرنا الله: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلْتَّقْوَىٰ" (المائدة: 8).
هذا يُعلمنا أن العدل ليس خياراً، بل هو أمر إلهي يجب تطبيقه مع الجميع، حتى مع الخصوم والأعداء.
كما أن السورة تُقدم حواراً أخيراً مع أهل الكتاب، وتُذكرهم بميثاقهم مع الله.
ثم تختم السورة بمشهد مهيب بين الله وعيسى عليه السلام، حيث يسأله الله عن رسالته: "وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ..." (المائدة: 116).
هذا المشهد يضع الختام على مبدأ التوحيد، ويُبين أن الله هو الإله الأوحد.
الخلاصة: سورة الختام والإتقان
في النهاية، نشعر أن سورة المائدة هي الدرجة الأخيرة في سلم الكمال التشريعي.
إنها تُخبرنا أن الدين اكتمل، وأن المائدة التي طلبها الناس قد نزلت في صورة قانون كامل للحياة.
إنها تمنحنا شعوراً باليقين والمسؤولية، وتُعلمنا أن كل تفصيل في حياتنا، من علاقاتنا بالآخرين إلى قراراتنا المالية، يجب أن يكون مبنياً على العدل والوفاء بالعهود.
* السنة النبوية الشريفة (أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم)
* كتب التفسير وعلوم القرآن (مثل تفسير ابن كثير، وتفسير القرطبي، ومدارج السالكين)
* أقوال الصحابة والتابعين
*كتاب خواطر قرآنية لعمر خالد

تعليقات
إرسال تعليق